لسان الدين ابن الخطيب

346

الإحاطة في أخبار غرناطة

ربّ العباد ، والإعراض عن الفانية ، والإقبال على الباقية ، فيا لها من صفات خلعت السعادة عليكم مطارفها ، وأجزلت عوارفها ، وجمعت لكم تالدها وطارفها ، زكّى اللّه ثوابها وجدّد أثوابها ، ووصل بالقبول أسبابها . وذكر لي أيضا من حسناتكم ، المنقبة الكبيرة ، والقربة الأثيرة ، في إقامة المارستان « 1 » بالحضرة ، والتّسبّب في إنشاء تلك المكرمة المبتكرة ، التي هي من مهمّات المسلمين بالمحلّ الأعلى ، ومن ضروريات الدين بالمزيّة الفضلى ، وما ذخره القدر لكم من الأجر في ذلك السعي المشكور ، والعمل المبرور ، فسرّني لتلك المجادة إحراز ذلك الفضل العظيم ، والفوز بثوابه الكريم ، وفخره العميم . ومعلوم ، أبقاكم اللّه ، ما تقدّم من ضياع الغرباء والضعفاء من المضي فيما سلف هنالك ، وقبل ما قدّر لهم من المرتفق العظيم وبذلك ، حتى أن من حفظ قول عمر ، رضي اللّه عنه ، واللّه لو ضاعت نخلة بشاطئ الفرات لخفت أن يسأل اللّه عنها عمر . لا شك في أن من تقدّم من أهل الأمر هنالكم ، لا بدّ من سؤاله عمّن ضاع لعدم القيام بهذا الواجب المغفل . والحمد للّه على ما خصّكم به من مزية قوله صلى اللّه عليه وسلم : إذا أراد اللّه بخليفة خيرا ، جعل له وزيرا صالحا ، إن نسي ذكّره ، وإن ذكر أعانه . وأما « كتاب المحبة » « 2 » ، فقد وقف المعظّم على ما وجّهتهم منه ، وقوفا ظهر بمزية التّأمل ، وعلم منه ما ترك للآخر الأول ، ولم يشكّ في أنّ الفضل للحاكي ، وشتّان بين الباكي والمتباكي . حقّا لقد فاق التأليف جمعا وترتيبا ، وذهب في الطّرق الصوفية مذهبا عجيبا . ولقد بهرت معانيه كالعرائس المجلوّة حسنا ونضارة ، وبرعت بدائعه وروائعه سنى وإنارة ، وألفاظا مختارة ، وكؤوسا مدارة ، وغيوثا من البركات مدرارة ، أحسن بما أدّته تلك الغرر السّافرة ، والأمثال السائرة ، والخمائل النّاظرة ، واللآلئ المفاخرة ، والنجوم الزّاهرة . أما إنه لكتاب تضمّن زبدة العلوم ، وثمرة الفهوم ، وإن موضوعه للباب اللّباب ، وخلاصة الألباب ، وفذلكة الحساب ، وفتح الملك الوهّاب ، سنى اللّه لكم ولنا كماله ، وبلّغ الجميع منّا آماله ، وجعل السّعي فيه

--> ( 1 ) هو المارستان الكبير الذي أقامه ابن الخطيب بالحاضرة غرناطة في أثناء توليه الوزارة في عهد الغني بالله السلطان محمد بن يوسف بن إسماعيل النصري . وقد تحدّث عنه ابن الخطيب في الجزء الثاني من الإحاطة عند ترجمة الغني بالله في عنوان : « بعض مناقب الدولة لهذا العهد » . ( 2 ) « كتاب المحبة » لابن الخطيب ، وله اسم آخر هو « روضة التعريف بالحب الشريف » .